الكاتب: العلامة المنار
عندنا في الشريعة عنوانان هما الاستخارة والقرعة
الشرعية، وهما مفهومان منفصلان وبينهما لقاء في قضية معينة وهي رفع الحيرة.
الاستخارة في الشريعة هي طلب الخير من الله، وهي
بمعنى الدعاء للتوفيق، وقد ورد لها عدة صور، ويجمع صورتها الطهارة والدعاء من الله
ان يلهم الانسان ويوفقه لاختيار الاصلح في قلبه فيعزم عليه، وهذه هي الاستخارة الشرعية
الواردة في الروايات. وهي كما ترى ليس فيها أي لائحة للحجية وهي لا تعدو ان تكون مقدمة
العزم على امرٍ بالتوكل على الله ولا يُعلم هل الامر من النفس؟ ام من الله؟ فلا دليل
الا الثقة والاطمئنان فقط. والامر يرجع علمه الى الله سبحانه وتعالى فالتوفيق يحتاح
الى استجابة من الله سبحانه وهي بيده لا بيد العبد.
واما القرعة فقد وردت في موارد محدودة جدا واهمها
في القضاء حين لا يمكن حل المشكل فيصار الى القرعة لحل الامر برضا الطرفين من اجل الحسم
بدل التحير التام. وقد وردت في تحديد الخنثى المشتبهة التي لا تعرف اطلاقا هل هي ذكر؟
ام انثى؟ عند بعض الفقهاء تبعا لبعض النصوص، هناك موارد اخرى تطلب من الفقه.
والقرعة فيها رأيان:
الاول: انها عبارة عن اللجوء الى الصدفة العشوائية
من اجل (الحسم) فقط. وهو مذهب الكثير من الفقهاء وهؤلاء لا يعتقدون بحجية القرعة، انها
لا تعني اصابة الواقع، وانما الحجة في حسم الخلاف، بمعنى ان فرض القرعة شرعا هو لحسم
الخلاف فقط، وليس لبيان حاق الامر.
والراي الثاني: يقول انها ليست صدفة محضة لحسم الخلاف
بل هي بتوجيه من الله بشروط حيث ينبغي توفر النية والدعاء والتوكل على الله من اجل
ان يعيّن الله الامر باللجوء اليه.
وهنا لابد من القول بان لصحة القرعة لا بد لها من
توفر امور وهو ضمان استجابة الدعاء من الله لانها متعلقة بالدعاء، وهذا لا يكون الا
بشروط دقيقة جدا اولها الخلو من الذنوب وابعاد الشياطين وان يكون الطلب مشروعا بل راجحا
في نفسه، مع شروط الطهارة والانقطاع الى الله والالحاح في الطلب وما شابه ذلك من الشروط،
التي قد يظن بها العبد الاجابة حيث تكون في مظان اجابة الدعاء والقرب منه. فيحتمل ان
تكون الاجابة كاشفة عن الواقع في تلك الحال. مع احتمال المخالفة ضئيلا حسب التجربة
لمن يقوم بالقرعة وحصول الكشف عن الواقع الذي ينكشف بعد ذلك.
ويبدو ان من بركات اهل البيت صلوات الله عليهم ان
امروا شيعتهم لاستخبار الواقع او رفع الحيرة فقد وضعوا لهم الاستخارة بالقرعة كما نص
على ذلك الشيخ الطبرسي في كتابه مكارم الاخلاق. وعنوَن الباب (الاستخارة بالقرعة)،
وقد ثبت بالتجربة ان هذه الطريقة هي من نعم الله على شيعة امير المؤمنين حيث تمكن الشيعة
من تحديد الاصلح والافضل لهم بشكل شخصي او عام بطريقة الاتصال المباشر مع الله عبر
هذه القرعة المسماة عندنا بالاستخارة. ولا شك انها مرتبطة بكمال الايمان وتمام اللجوء
الى الله والتجربة في نجاحها على يد بعض المؤمنين المنقطعين الى الله. ولهذا فان اغلب
اهل العبادة لا يرى صحة الاستخارة لمن لم يأخذ الاجازة ممن اجيز بها او كانت تجربته
لا تتخلف ابدا في كشف الواقع او الاقتراب منه او على الاقل الاذن في رفع الحيرة. وهؤلاء
قلة كما نعلم.
ولا شك عندنا ان بعض الاستخارات المشهورة خلّصت
مؤمنين من الموت او من فعل السوء وقد اعتبر بعض الصلحاء ان الاستخارة المضبوطة هي من
ادلة صحة الاسلام بل بعضهم اعتبرها دليلا على وجود الله، وقد حدثني شيخي ان احد الملحدين
سأله ما دليلك على وجود الله؟ فقال له هذه المسبحة، فقال له كيف ذلك؟ فاخبره انه من
المستحيل التكرار على وجه واحد من اجل مطلب واحد، وقد حدثت عندي حادثة وهي انني اردت
السفر في طريق كنت لا آمنه، وقد استخرت الله على حوالي 60 سيارة فكانت جميعها ناهية،
حتى حصل الامر على سيارة واحدة فركبتها وركبت معنا نساء متبرجات فانزعجن من منظري الديني،
فنزلن عن الباص وركبن مع شاب يملك سيارة سبورت، وحين تحرك الباص بدأت الامطار بالهطول
الغزير فامتلأت الارض بالماء حتى غاب الشارع عن النظر واصبحت الارض كلها بحيرة ماء
لا يعرف فيها الارض الرخوة من الارض المعبدة بالاسفلت ولا المنبسطة من الحفر والوديان
الصغيرة، فسرنا على الطريق الذي لا يرى، وكلما مشينا وجدنا السيارات قد غرقت او تدهورت
او رُكنت او تعطلت وقد وجدنا السيارة السبورت مع الفتيات مقلوبة ولم نر لهم رسما ولا
نعرف ما جرى لهم فليس بجنبهم احد، وهكذا فسيارتنا الوحيدة التي لم تخرج عن الطريق المعبد
بشكل عجيب وكأن السائق يحفط كل شبر بدون رؤية الطريق، حتى انتهينا من الازمة فلم تنجو
من كل السيارات وهي بالمئات الا هذه السيارة وسيارة بترول كبيرة جدا، فقال له الملحد:
الحقيقة ان هذا من الامور المحيرة التي لا استطيع الا ان اقول ان هناك قوة خفية تعلم
كل شيء وحددت كل شيء مسبقا وامرتك بسلوك الطريق الصحيح.
ان هذه القصص وغيرها جعل الكثير من المؤمنين يأنسون
بالاستخارة بالقرعة، وقد قرنوها بعلوم كشف الخفيات مثل علم الرمل وعلم الزايرجة وعلم
الجفر وهي علوم لا علاقة لها بالاستخارة ولا بالقرعة ولكنها قد تعطي نفس النتائج حينما
تكون مستوفية الشروط، مع ان هذه العلوم فيها شروط شديدة سواء في الدعاء او في الطهارة
او في الساعات او في الايام او في الاماكن. فلها شروط مهمة واغلب اجراء هذه العلوم
يكون مرافقا للتحصين وطرد العمار من اجل ان تكون الخلوة مع الله بدون مداخلات المخلوقات
المتطفلة المؤثرة في نتائج العلم. فلا غرو ان يكون ما هو اقل انضباطا مثل الخيرة مشترطا
باشد من تلك الشروط حتى يمكن الركون اليها على نحو الرجاء بحصول المراد وليس على نحو
القطع واليقين.
اذن ما المقصود بالكشف عن الواقع في الاستخارة اذا
لم يكن على نحو القطع واليقين؟
المقصود ان السؤال لابد ان يسأل عن مصلحة في واقع
معين لاتكون مع غيره، مثلا الربح في التجارة، فاذا سأل المستخير هل اشتري هذه البضاعة؟
فهو يقصد واقع الربح كما هو معلوم، فاذا ربحت البضاعة فقد كانت الاستخارة كاشفة عن
الربح، واذا كانت مرة تصيب ومرة تخيب فهي بالاساس غير كاشفة وانما للصدفة دور في الاستخارة
وهي دعوة بعيدة عن الاجابة.
فاذن ليس لزاما صدق الاستخارة وصدق الكشف عن الواقع
ويجب ان يكون صاحب الاستخارة لم تؤثر عنه المخالفة مع الواقع حتى نعلم بالكاشفية بالمعنى
الذي قلناه، وليس بالكاشفية بمعنى كونها مصدرا للعلم وسبيلا من سبل المعرفة وانما بالملازمة
حينما تتوافق النتائح مع اساس المصلحة. واين نحصل على مثل هذا العبد الصالح الذي لا
مخالفة عنده ابدا بين استخارته وبين الواقع ؟ فهذا نادر بين المؤمنين. ومع ذلك فانه
لا يكشف عن الواقع بمعنى تحصيل العلم. وانما الموافقة على المصلحة كما اكدت الان مرات
من اجل ان لا تغيب هذه القضية عن اذهان القراء.
والقرعة ليس لها حجية شرعية الا رفع الحيرة عن القضاء
فيما لا مجال للحكم فيه ابدا وهي منصوصة في تلك المواضع فكيف والاستخارة المعروفة حاليا
لا نصوص فيها ولا شروط لها ولا ضابطة لها الا التوكل والاخلاص وطلب الجواب من الله
ممن لا يعلم بانه مجاب الدعاء يقينا وهذا شرط اساس حتى نعلم ان الامر من الله على اقل
تقدير، وحتى مع تأكدنا ان الامر من الله فلا دليل عندنا على حتمية الكشف على الواقع
او صدق النتائج فقد يجيب الله بمصلحة غير مطلوبة وغير منظورة او قد يكون للاختبار او
للابتلاء والتسبيب في غفران الذنوب بالوقوع بالخسارة وفقد المصلحة مع ان المجيب هو
الله. وكل هذا ممكن تماما لانه لا يعدو –في حال الاخلاص - عن كونه تعاملا مع الله فيه
الثواب والبلاء والامتحان وماشابه ذلك فلا يمكن الجزم بالكشف عن الواقع في كل شيء.
والاستخارة بمعنى القرعة لا تكون بالسؤال عن العواقب
او المعلومات او الكشف عن الواقع كأن يسأل في الاستخارة ماذا سيحدث غدا؟ او من سيربح
المليون ؟ فهذا غير جائز وخارج وظيفة الاستخارة وانما الاستخارة متعلقة بافعال العباد
الاختيارية مثل ان يسأل : هل اشتري هذا الدار؟ او هل اسافر غدا على الطائرة الفلانية؟
وما شابه ذلك. ولا يجوز التردد في النية مثل هل اشتري او لا اشتري، لان الجواب لن يكون
الا على نية ثابتة محددة فاما الشراء او عدم الشراء.
وهناك تفصيلات اخرى يعرفها الصلحاء لا نريد الاغراق
في بحثها.
وناتي الان الى طلب احمد الهنبوشي من المخدوعين
به ان يستخيروا لمعرفة نبوته او امامته، فعلى أي اساس يستخيروا؟ وهو من يعلمهم الاستخارة
في الغالب، فهل الاستخارة هنا تكشف انه الامام او رسوله او ما يدعيه – مع ان دعاويه
متحركة فقد وصل الى انه الامام الحجة القائم المهدي الذي ليس له أي مصداق الا انه الحجة
ابن الحسن العسكري روحي فداه فتكون دعواه كذب من اساسها ولا تحتاج الى أي سؤال- وهذا
الكشف المدعى باطل جملة وتفصيلا فلا هو موضوع القرعة الشرعية ولا هو من قابلياتها ولا
من مسؤولياتها، كما انها لا تتكفل بالحجة الشرعية في مثل هذا، فيكون كله من خارج الحدود
وخارج المنظومة الدينية اصلا وموضوعا. ثم من هذا الذي يأخذ الاستخارة ؟ فهل له العصمة
فيها حتى يتيقن من نتائجها ؟ وجوابه اوضح من الشمس. وهل قام بالتحصين خصوصا مع وجود
مقتضي لذلك وهو احتمال السحر، لان هناك جوابا واحدا لكل من استعمل طريقة هذا الساحر
حيث ان الجواب يأتي لصالح الساحر تماما، وهذا يدعو بنفسه لمعرفة ان الاستخارة هذه باطلة
من اساسها لانها مفبركة فهو يطلبها وتاتي كما يشتهي، وكل من اخذ الاستخارة عند الصلحاء
والمشهورين بصدق الاستخارة كانت الاستخارة ناهية مهما كرر السائل الاستخارة وعند اكثر
من صالح من الصالحين مما يدل على ان هذه الاستخارة مصنوعة صناعة خاصة لمن يتبع خطوات
هذا الساحر.
إذن، هنا ياتي السؤال المهم كيف يصنّع الساحر هذه
الاستخارة المتكررة بجواب واحد لصالح هذا المدعي نفسه؟
ان من خبر الاعمال الروحية واعمال السحرة وقرأ عن
افعالهم واعمالهم وتأملها يجد هناك الكثير من الاعمال تقوم بذلك بكل سهولة.
واقرب الاعمال واسهلها في هذا الموضوع هو التسليط،
والتسليط او التسخير هو ان يجعل شيطانًا او ماردا من الجن يراقب الحركة ولا يسمح بالفعل
بما يريد بطريق التوجيه، وقد اختلف الروحيون في تفسير الظاهرة وكيف يقوم الشيطان بذلك؟
والارجح هو انه يسيطر على المنظومة العصبية لتقبض
ما يشاء الشيطان، والاحتمال الثاني هو ان يمسك الشيطان باعضاء الانساء ويحركها كما
يشاء وكأنه مخدر لا يعرف كيف تحركت يده. وهناك احتمالات اخرى ذكرها الروحيون في تفسير
ظاهرة التسليط.
وقد قال جماعة منهم بان هذه عبارة عن تلبيس والتلبيس
هو ان يتداخل كيان الشيطان بكيان الانسان فيفعل الانسان ما يعتقد انه فعله وهو في الحقيقة
من فعل غيره.
فاذن هناك اكثر من خيار عند الساحر للسيطرة على
الاستخارة التي يرتبها لمن يريد خداعهم، وهذا هو اوضح تفسير فهناك طرق اكثر تعقيدا
وانجح من هذه.
وبعد ان يرتب مؤامرة الاستخارة على المخدوع يرسم
الدجال خطط بديلة في حال فشل المشروع، مثل ان يذهب الهدف المطلوب منه الايمان بالدجال
الى رجل صالح للاستخارة او ان الشيطان لا يستطيع التسلط عليه ولا تسخيره ولا التلبس
به، فهنا يقال له ان نيتك لم تكن صافية ويحاولون معه مرتين او ثلاث عسى ان يسيطروا
عليه، ثم يترك فهذا غير مفيد ولا ينبغي صرف الوقت معه وهو متعب لهم.
فهذا كل ما في الامر ببساطة، ومن يعرف ويطلع على
الناحية الشرعية للاستخارة و على واقع تداخل الشيطان في هذه الاستخارة التي لا يعرف
اصولها الناس وخصوصا القرويون او المستبصرون المساكين الذين يواجهون هذه القرعة لاول
مرة او من عُرف بقلة الديانة وضعف الايمان ويرغب بالايمان جديدا فيدخلون له عن هذا
الطريق وهو لا يدري ان القضية كلها خدعة وان ديانته الجديدة لا تسمح بالخلوص لله.
فإذن هذه الاستخارة ليست حجة بنفسها، وهي لعبة مسيطر
عليها من قبل السحرة والمجرمين الذين يستعملون هذه الاعمال المحرمة من اجل تدمير مستقبلهم
الاخروي ومستقبلهم الدنيوي حيث يقعون اسرى لهؤلاء المجرمين وسيكتشفون ذلك لاحقا كما
اكتشف الكثير من الناس بعض الدجالين الذين لا يفترون في التقلب بدجلهم. كهذا الشخص
المتسمي بالغزي فقد كان في قم يخدع المؤمنين على انه من رسل الامام وقد امر بعض المؤمنين
بالتخلي عن زوجته بدعوى ان هذا امر الامام ثم انكشف وطرد من المجتمع، فاصبح الان مفكرا
اسلاميا يقدم المحاضرات في الولاء بدفعٍ من الـ MI6 وهو مسرور
بعمله الحالي المخابراتي وينتقد العلماء ويكذب عليهم. ولكن بالنتيجة فان المخدوعين
به الاوائل قد تخلصوا منه وعرفوا خدعته وسيأتي اليوم الذي يكتشف الناس خدعة هذا الهنبوشي
الساحر.
ارجو من الاخوة التأمل جيدا في هذا.